رمضان 2020 في زمن الكورونا

رمضان 2020 | رمضان حول العالم (3) رمضان في الصين “باتشاي” وتقاليد خاصة رغم كورونا

في رمضان 2020 نقدم يومياً سلسلة رمضان حول العالم نبحر فيها لشواطئ عادات وتقاليد الشعوب المسلمة حول العالم في الشهر الكريم ، هذه الحلقة نأخذكم لقلب الغرب الصيني لنتعرف على رمضان في الصين.

رمضان 2020 – رمضان حول العالم

الحلقة الثانية – رمضان في الصين

يحيي ملايين المسلمين الصينيين شهر رمضان وسط ظروف استثنائية بسبب تفشي فيروس كورونا، فلا صلاة في المساجد ولا موائد إفطار جماعي ولا تبادل للزيارات، ورغم هذه المحظورات تبقى عادات رمضان في الصين راسخة عند المجتمعات المسلمة، منها ما هو مألوف لدى الشعوب المسلمة أينما كانت، ومنها ما هو خاص بالمسلمين في الصين دون غيرهم.

هل يوجد مسلمون في الصين؟

يعيش المسلمون في الصين منذ آلاف السنين ويتركز معظمهم في الشمال الغربي للبلاد، وتشير الإحصاءات الرسمية للحكومة الصينية أن عدد المسلمين في الصين يقدر بحوالي  24 مليون نسمة يعيشون في إقليم تركستان الشرقية ومدن صينية، بينهما تقدر إحصاءات غير رسمية عدد المسلمين في الصين بنحو  100 مليون نسمة.

وكان الإسلام  قد وصل إلى شرقي الصين إبان حكم الخلفاء الراشدين عن طريق البحار، ففي عهد الخليفة الثالث عثمان بن عفان، وصل مبعوث مسلم إلى الصين سنة 21 هـ، ثم توالت البعثات الإسلامية الدبلوماسية والتجارية وأخذ الإسلام ينتشر عبر الصين من مراكز ساحلية نحو الداخل.

وقبل مضي قرن على بعثة النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) فتح القائد قتيبة بن مسلم الباهلي، تركستان الشرقية في العصر الأموي، وعلى الرغم من أن الفتوحات الإسلامية لم تتوغل في أرض الصين، إلا أن طريق القوافل بين غرب آسيا والصين كان له أثره في انتشار الإسلام عن طريق التجار في غربي الصين، ولقد عرف هذا بطريق الحرير كما أن لمجاورة الإسلام في منطقة تركستان بوسط آسيا للحدود الغربية للصين أثره في بث الدعوة في غربي البلاد.

وتعد قومية الأويغور أكبر قومية من قوميات المسلمين في الصين وتعيش في إقليم تركستان الشرقية، ويعاني المسلمون هناك من إجراءات ممنهجة تتبعها الحكومة الصينية لطمس هويتهم الدينية، وإلى جانب قومية الأويغور توجد 9 قوميات أخرى تدين بالإسلام وهم القازان، والطاجيك، والأوزبك، والتتار، وهوي، وسالار، ودونج شيانغ، بأوان، والقرغيز.

شاهد بالفيديو | من هم الأويغور ؟ ولماذا تضطهدهم الصين؟


وتضم الصين أكثر من 40 ألف مسجد، ومن أقدم المساجد في بكين العاصمة، نجد مسجدي “نيوجيه” الذي بني منذ ما يقرب من 1000 عام، ومسجد “دوديان” الذي يعود تاريخ بنائه إلى 700 عام، وتم كتابة القرآن الكريم كاملاً على أحد جدرانه. وقد تم تجديدهما عدة مرات خلال 50 عامًا.

رمضان 2020 في الصين “باتشاي”

كما لدى كل شعب في رمضان حول العالم طقوس خاصة، توارث الصينيون طقوسهم في رمضان من أجدادهم منذ قرون، ولا زالوا يحيون تلك العادات والتقاليد، لكن رمضان 2020 شهر استثنائي على المسلمين في الصين ومسلمي العالم أجمع بسبب تأثير جائحة كوفيد-19.

وبينما تؤثر الإجراءات الوقائية للحد من تفشي وباء كورونا على كثير من ملامح شهر رمضان في الصين، مثل منع الصلوات في المساجد، وحظر تنظيم موائد الإفطار الجماعية التي اعتاد الصينيون عليها، إلا أن كثير من العادات لا يزال الصينيون يتمسكون بها حتى في رمضان 2020.

دعاء الإفطار منسك أساسي في رمضان حول العالم و في الصين أيضًا
دعاء الإفطار منسك أساسي في رمضان حول العالم و في الصين أيضًا

مفردة “باتشاي” تعني “رمضان” المبارك باللغة الصينية، ويُقال أنها ترجمة لـ ” با تا شاي” وتعني “نزول الضوء عليه” رمزاً لنزول الوحي بالقرآن على النبي محمد “صلى الله عليه وسلم”.

وفي “باتشاي” حيث يحتفل بشهر رمضان الصينيون من القوميات الىي غالبها أو كلها تدين بالإسلام بشعائر متشابهة أو متطابقة مع إخوانهم في الدين في مختلف الدول الأخرى بقارات العالم، لكن وتبعاً للعادات الصينية المحلية، وعادات بعض القوميات هناك، يختلف الاحتفال بعض الشيء عن الاحتفال في الدول العربية والإسلامية، إلا أن القاسم المشترك واحد، وهو الصلاة  في المساجد كل ليلة كفريضة إلهية.

المسلم الصيني منفتح بطبعه وطبيعته على غيره من الناس من أصحاب القوميات واللغات والتقاليد والعادات المختلفة. ففي “باتشاي”، يُهنِّىء المسلمون وغير المسلمين بعضهم بعضاً بحلول “باتشاي”، ويتناولون طعام الإفطار سوياً كشكل من أشكال التضامن الوطني والانساني، ما يعني وحدة وطنية واسعة تضم مختلف أطياف المجتمع الصيني، وبخاصة قومية (هان) التي هي من أكبر القوميات الصينية، وهذه القومية تتيح للجميع ضمن القانون الصيني الواحد المطبق على الكل، احتفالية واسعة بباتشاي، يشارك فيها مسؤولون عن الجمعية الاسلامية الصينية والجمعيات المماثلة وفروعها المحلية، بالإضافة الى مشاركة مسؤولين محليين وممثلي المجتمع عامة ومنظمات المجتمع المدني.

يُعرف شهر رمضان في الصين باسم ” باتشاي ” وتعني بالصينية “نزول ضوء الشمس عليه”.

تقاليد رمضان في الصين

بداية، على خلاف تحري هلال رمضان حول العالم ، لا ينتظر مسلمي الصين رؤية الهلال لبدء رمضان كغيرهم من مسلمي العالم، إذ يصوم الصينيون شهر رمضان ٣٠ يوما غير قابلة للنقصان، وبخلاف الدول العربية والإسلامية التي تعتمد على تحري الهلال لبدء الصوم، تحدد الجمعية الصينية الإسلامية بداية الشهر وفقا للحسابات الفلكية.

قبل قدوم شهر رمضان في الصين، يحرص المسلمون على تنظيف منازلهم وتزيينها بلوحات تحمل آيات قرآنية، أو ما يشير إلى قدم الشهر الفضيل كذلك الحال بالنسبة للمساجد التي تستقطب أعدادا كبيرة جدا ، وهي ليست قاصرة على المسلمين فقط بل هي مفتوحة لكل من يريد التعرف على الإسلام عن قرب، وفي الشوارع الرئيسية بالمناطق ذات الأغلبية المسلمة تجد لوحات ضوئية تعرض موعد الإفطار والسحور والصلاة القادمة.

السحور تعد وجبة أساسية لا يمكن الاستغناء عنها بالنسبة للصينيين الذين اعتادوا على تناول 5 وجبات في اليوم خلال الأشهر الأخرى، لكنها بطبيعة الحال تكون وجبة خفيفة مقارنة بالوجبة الرئيسية للإفطار، وبصورة عامة يبتعد الصينيون عن التبذير والتكلف في موائدهم الرمضانية.

خلال النهار، يتدارس المسلمين في الصين القرآن الكريم والأحاديث النبوية، ويحاولون تعلم شيئا من اللغة العربية، ويعتبرون شهر رمضان حول العالم فرصة للتسامح ونبذ كافة أشكال العنف والتطرف، ويجب على الفتيات صوم شهر رمضان عندما يبلغن سن الـ9، أما الصبيان فعليهم الالتزام بصوم رمضان في الصين وهم في عمر الـ 12، ويحرص المسلمون الصينيون على مدار شهر رمضان على تبادل الهدايا فيما بينهم ومع جيرانهم غير المسلمين، كما يتشاركون الأطباق والمأكولات.

مع حلول موعد آذان المغرب يلتف أفراد الأسرة حول مائدة الإفطار الثانوية المكونة من الشاي والبطيخ والتمر والحلوى، وعندما يرفع آذان المغرب يردد الصائمون الآذان مع المؤذن، وبعد انتهاء من الآذان يبدأون بشرب الشاي الأخضر أو الشاي المحلى بالسكر.

البطيخ نجم رمضان في الصين وبطل مائدة الإفطار كفاكهة أو حلوى
البطيخ نجم رمضان في الصين وبطل مائدة الإفطار كفاكهة أو حلوى

البطيخ أيضا يعد طبقا أساسيا يتناوله مسلمو الصين  بعد أن يرفع آذان المغرب مباشرة إلى جانب الشاي، وبعد وجبة سريعة خفيفة يتوجهون إلى المسجد لأداء صلاة المغرب والتضرع إلى الله حتى صلاة التراويح، وفي كثير من المناطق تلتزم النساء بالصلاة في المنزل، كما أنهن لا يشاركن في موائد الإفطار المقامة في المساجد.

بعد الانتهاء من أداء الصلاة، يتناول المسلمون وجبة الإفطار الرئيسية، والتي تعتمد أطباقها غالبا على الأرز المسلوق بالبخار، وهي غنية بالخضار المسلوقة، واللحوم المشوية والأسماك والمأكولات البحرية، إلى جانب الخبز المظفر المكون من العجين الممزوج بالبيض.

ومن الأطباق الرائجة على موائد الإفطار خلال شهر رمضان في الصين، طبق “يانجرو باو مو” ويتكون من الخبز المقطع قطعا صغير مضافا إليه حساء لحم الضأن، وأكلة الرافيولي التقليدية، وهي مكونة من العجين المحشو باللحم مع الصوص.

أما بالنسبة لتناول الحلويات، يتناول الصائمون الفواكه كبديل عن الحلويات، وتعتمد أغلب الحلويات على التمر والفواكه الاستوائية مثل دوريان، النجمة، الكيوانو ، مانغوستين، الرامبوتان، وسالاك، ويفضل الصينيون الحلويات بالتمور على مائدة الإفطار، وكعكة التمر والزبيب والسكر والمشمش والسمسم.

التمر حاضرا أيضًا على مائدة إفطار رمضان في الصين
التمر حاضرا أيضًا على مائدة إفطار رمضان في الصين

في صلاة التراويح، كما يعتاد المسلمون في رمضان حول العالم ، بالدعاء في ركعة الوتر ، يرفع الصينيون أصواتهم بالدعاء ويرددون دعاء “يا مقلب القلوب والأبصار، يا خالق الليل والنهار، الله قوِّ إيماننا لنثبت على طريق الحق” بعد كل ركعتين في صلاة التراويح، ويحرصون على إحياء ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان بأعداد ضخمة تصل إلى عشرات الآلاف في المسجد الواحد.

شاهد بالفيديو | رمضان حول العالم .. رمضان في الصين :


تابع الحلقة الأولى: رمضان 2020 | رمضان حول العالم (1) رمضان في البرازيل .. وإحياء التراويح عبر الإنترنت

تابع الحلقة الثانية: رمضان 2020 | رمضان حول العالم (2) رمضان في الكاميرون .. بين مخاوف كورونا وأحلام الفقراء

المصادر : هلا جورجيا - تايمز الصينية

مقالات ذات صلة

تعليقك يساهم في تطوير المحتوى، لماذا لا تكتب واحد؟

زر الذهاب إلى الأعلى